أبي هلال العسكري

36

تصحيح الوجوه والنظائر

ومعنى الآية على هذا : إنكم لم تغلوا في الأنبياء غلو النصارى في عيسى ، إذ قالوا : إنه إله . ولم تقصروا فيهم تقصير اليهود ، إذ قالوا : إنه كذاب . ومن الأول قولهم : فلان وسيط في حسبه ، أي : هو الكامل المتناهي . وفي الآية دليل على أن الأمة لا تجتمع على الباطل . والوسط بالإسكان : الموضع . والوسط بالتحريك : ما بين طرفي كل شيء ، وأصل الكلمة العدل ، فالمكان لا يمتد إلى المسافة إلى أطرافه . والرجل الأوسط في قومه : الذي تكلله الشرف من نواحيه . العاشر : قوله تعالى : كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِها أُمَمٌ [ سورة الرعد آية 30 ] . يعني : الكفار من أمة محمد صلّى اللّه عليه ، وقد تقدم ذكر الأمم والرسل في القرآن ، فعطف قوله : كَذلِكَ أَرْسَلْناكَ . على أولئك الرسل ، فكأنه قال : كما أرسلنا إلى أمم رسلا من قبل أرسلناك إلى أمة ، يعني : هذه الأمة ، و : خَلَتْ . أي : مضت ولم تبق منهم باقية . وفي هذا التزهيد في الدنيا والحث على الاعتبار بمن سلف . ثم قال : لِتَتْلُوَا عَلَيْهِمُ الَّذِي أَوْحَيْنا إِلَيْكَ [ سورة الرعد آية 30 ] . أي : لتتلوه عليهم وتدعوهم إلى العمل به فحذف ذلك . وقوله : وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمنِ [ سورة الرعد آية 30 ] . موصول بقوله : أَرْسَلْناكَ فِي أُمَّةٍ . الكفر بالرحمن دينهم . والأصل في هذا كله واحد إلا أن موضع الاستعمال يختلف « 1 » .

--> - ذكر من قال : " الوسط " العدل . ينظر تفسير الطبري 3 / 140 - 141 . ( 1 ) قال الخيل : الأمّة : الدّين ، قال اللّه تعالى : إِنَّا وَجَدْنا آباءَنا عَلى أُمَّةٍ [ الزخرف 22 ] . وحكى أبو زيد : لا أمّة له ، أي لا دين له . وقال النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في زيد بن عمرو بن نفيل : " يبعث أمّة وحده " .